هل يمكننا أن نعيش سوياً؟
فادي عبود
Friday, 27-Mar-2026 07:11

يتوهّم البعض حين يعتقد أنّ الفساد المالي لا علاقة له بالشكل السياسي للدولة، فيما الحقيقة أنّهما مترابطان ارتباطاً وثيقاً. أيّ حديث عن دولة محترمة يبقى ناقصاً ما لم يستند إلى اقتصاد قوي ومُنتِج.

لقد تسبّب الفساد المالي عبر عقود، إلى جانب عوامل أخرى، في تعطيل تطوير البلد، وضرب الثقة، وتبديد الاستثمارات، وحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم. لكنّ الأخطر من ذلك، أنّه أصاب المجتمع اللبناني في العمق، فزعزع مفهوم الانتماء نفسه. إذ بات ولاء شريحة واسعة من اللبنانيِّين مرتبطاً بالدول التي تؤمّن لهم معيشتهم، لا بالدولة اللبنانية التي فشلت في حمايتهم ودمَّرت مستقبلهم.

 

هذا الواقع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لانهيار الثقة. مشاهد تسابق اللبنانيِّين للحصول على جنسيات وجوازات سفر أجنبية، حتى عبر شرائها، ليست تفصيلاً عابراً، بل دليل واضح على أنّ لبنان بات خياراً ثانوياً في نظر أبنائه.

 

ثم جاءت «سرقة القرن» - الفضيحة المالية الكبرى التي قادها المصرف المركزي مع المصارف ومسؤولين في الدولة، لتقطع ما تبقّى من خيط الثقة بين المواطن وبلده. والمؤسف أنّ تداعيات هذه الجريمة على الولاء والانتماء لم تُستوعَب بعد من قِبل المسؤولين.

هذا جزء من انعدام الولاء للدولة، لكن هناك مشاكل كثيرة أخرى، أحد أبرزها هو نظام «مجتمع الأديان» الذي لم ننجح في إدارته، ولا حتى في طرح نقاش جدّي حول كيفية إصلاحه. بدل أن يكون مصدر غنى، تحوّل إلى مصدر انقسام دائم، لأنّنا لم ننجح بتأسيس دولة فيها مواطنة حقيقية لا تتعارض مع الانتماءات الدينية.

 

كيف يمكن بناء دولة إذا كان الزواج بين مواطنين من ديانات مختلفة ما زال غير مسموحاً؟ أسهل على اللبناني أن يُزوِّج أولاده لغرباء لكن من الدين عينه، ولا يتمكن من تزويجهم لأبناء البلد لأنّهم من دين مختلف.

وكيف نتحدّث عن وحدة، فيما الدين يعلو على المواطنة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية؟ عندما تصبح ديانة الفرد أقوى من انتمائه الوطني، نكون قد ألغينا مفهوم الدولة من أساسه. فمثلاً، ممنوع أن يرث شخص من والدَيه إذا كان أحد منهما من طائفة تختلف عن طائفته.

 

من جهة أخرى، لا بُدّ من التوقف عند مسألة الحروب الدينية. نحن لا نؤمن أنّ الله يحتاج إلى مَن يدافع عنه أو ينتصر له. فكرة أنّ الله بحاجة إلى أي شي من أية جهة هي هرطقة غير مقبولة. فكرة أنّ فئة تقاتل فئة أخرى باسم الله هي بحدّ ذاتها تناقض جوهري مع الإيمان. إذا كان الله واحداً، كما تؤمن به معظم الأديان في هذه المنطقة، فهو قادر على أن يكافئ أو يحاسب من دون وساطة بمجرّد إرادته.

 

هل يمكننا أن نعيد تنظيم الدولة المبنية على الاحترام المتبادل للعقائد، من دون فرض أي معتقد على الآخر. دولة تحمي حق الاختلاف، لا أن تنظّمه ضمن قوالب طائفية مغلقة. هل نستطيع إقرار ميثاقية اقتصادية شاملة بين جميع الأطراف تقوم على الشفافية الكاملة، إعادة الودائع، وسنّ قوانين تمنع تكرار الانهيار، تحرير الاقتصاد من القيود عبر إلغاء القوانين الطاردة للاستثمار، كسر الاحتكارات، إصلاح الإدارة، والانتقال إلى اقتصاد منتج؟

 

مشاكلنا واختلافاتنا كثيرة ولا نواجهها بالعمق، والأهم أنّ نتذكّر دائماً أنّه إذا فشلنا في الاتفاق على نقاط الخلاف لبناء دولة محترمة قادرة أن تؤمّن الكرامة لمواطنيها، فربما الأفضل أن نفكّر في حلول تمنع الدم والفتنة عن هذا البلد، ربما عبر التقسيم. علماً أنّنا نرفض هذا الخيار ونتمسّك بوحدة البلد، لكن يبقى أفضل من إراقة المزيد من الدماء.

الأكثر قراءة